صديق الحسيني القنوجي البخاري

384

فتح البيان في مقاصد القرآن

محتجا بهذه الآية والجمع أنها لما تكلمت بها العرب نسبت إليهم وصارت لهم لغة لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه لأنه نازل بلغتكم . أخرج الحاكم « 1 » عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلا قُرْآناً عَرَبِيًّا ثم قال : ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما ، وعن مجاهد قال : نزل القرآن بلسان قريش وهو كلامهم . نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ هو تتبع الشيء ومنه قوله تعالى وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [ القصص : 11 ] أي تتبعي أثره وهو مصدر وسميت الحكاية قصة لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا ، والتقدير نقص عليك قصصا أحسن القصص فيكون بمعنى الاقتصاص ، أو هو بمعنى المفعول أي المقصوص ، والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه ، قال ابن عباس : قالوا يا رسول اللّه لو قصصت علينا فنزلت هذه الآية . وعن ابن مسعود مثله وقال قتادة : نقص عليك من الكتب الماضية والقرون الخالية وأمور اللّه السابقة في الأمم أحسن البيان ، واختلف في وجه كون هذه السورة أو القرآن هو أحسن القصص فقيل لأن ما في هذه السورة من القصص يتضمن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها وقيل لما فيها من حسن المحاورة وما كان من يوسف عليه السلام من الصبر على أذاهم وعفوه عنهم ، وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجن والإنس والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار العلماء والجهال والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن . وقيل لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وما دار بينهما وقيل إن أحسن هنا بمعنى أعجب ، وقيل إن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة ، قال خالد بن معد : إن سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة ، وقال عطاء : لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها . بِما أَوْحَيْنا بإيحائنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل إيحائنا إليك لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 4 إلى 5 ] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) إِذْ أي اذكر وقت أن قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ قرأ الجمهور يوسف بضم السين وقرىء بكسرها مع الهمز مكان الواو وحكي الهمز وفتح السين وهو اسم عبراني غير

--> ( 1 ) المستدرك كتاب التفسير ، 2 / 441 .